عبد الشافى محمد عبد اللطيف

197

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم ، وأكثر من ذلك تبسط في معاملة صاحب أيلة وأهداه « رداء من نسج اليمن ، وأحاطه بكل صنوف الرعاية » « 1 » . بعد أن رتب النبي صلّى اللّه عليه وسلم أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية في ضوء تحركات الروم وسياستهم ، عاد إلى المدينة بجيشه العظيم . ولم تمر حوداث تبوك بدون فائدة ، ولكن استخلص المسلمون منها دروسا مفيدة ، أفادتهم كثيرا في مستقبلهم ، وفتحت عيونهم أكثر وأكثر على مكامن الخطر الذي ينتظرهم في مسيرتهم المقدسة . وتيقنوا أن الروم على حدودهم الشمالية هم أخطر أعدائهم وأعداء دينهم . فلا بد من الاستعداد لمواجهة الموقف واحتمالاته . وصدقت توقعات المسلمين . حين أخذت علاقاتهم مع الروم - الذين أعلنوها حربا سافرة على الإسلام والمسلمين - تتطور على طريق المواجهة العسكرية ، حتى وضع الخلفاء الراشدون حدّا لغرور الروم وصلفهم ، وأنزلوا هذا الجالس على عرش بيزنطة من عليائه ، وطردوه من الشام إلى غير رجعة . فغادرها وقلبه يقطر دما ، ولسانه يقول : « سلاما عليك يا سوريا سلاما لا لقاء بعده ونعم البلد أنت للعدو » هذا عن العلاقات بين المسلمين والروم . أيلام المسلمون أن حملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم أمام عدوان الروم ؟ ! . فماذا عن العلاقات بين المسلمين والدولة الكبرى الآخرى في عالم يومئذ ؛ وهي الإمبراطورية الفارسية ؟ الواقع أن كسرى فارس كان أكثر غرورا وغطرسة من هرقل . فعندما وصلته رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ استشاط غضبا ومزق الرسالة ، بل أكثر من ذلك طلب أن يقبضوا له على النبي ليحاكمه - وقد سبقت الإشارة إلى تلك الحادثة - ولما علم النبي بذلك الموقف المغرور من كسرى دعا عليه قائلا : « مزق اللّه ملكه » وقد استجاب اللّه دعاء رسوله ، فقد قامت ثورة ضد كسرى ، والمدهش أن ابنه هو الذي ثار عليه وقتله ، ولكن موقف الفرس لم يتغير تجاه الإسلام نتيجة موت كسرى أبرويز الثاني الذي كان موقفه بمثابة إعلان الحرب على الإسلام . وكما أخذ الروم موقف العداء من المسلمين ، وحشدوا قواتهم على الحدود لتهديد المسلمين ، وحرضوا القبائل العربية المنضوية تحت نفوذهم ضد المسلمين ، فقد أخذ الفرس الموقف على الحدود الشرقية ، وظهر ذلك واضحا في أثناء حروب الردة في خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه . وكما تطورت العلاقات مع الروم ، تطورت كذلك مع الفرس على

--> ( 1 ) د . هيكل - حياة محمد ( ص 459 ) .